لست ممن يعتقدون أن حالة الهدوء التي نعيشها حاليا هي حالة مؤقتة بل هي حقيقة ثابتة ويمكن الرهان على استمرارها. ووصلنا الى هذه الحالة ليس فقط بسبب نجاح الجهات الرسمية باتخاذ خطوات مهمة وجادة على طريق الإصلاح بل لأن القوى السياسية الاردنية -وهي قوى وطنية راشدة - أثبتت كما فعلت في كل المنعطفات أنها حريصة على مصالح الوطن العليا، وان أحدا لا يزاود عليها بالتمسك بأمن الوطن والذود عن استقراره.
ومخطىء من يعتقد أن المعالجة الرسمية للأمور هي فقط التي أوصلتها الى هذه الحالة من الهدوء في وسط براكين الغضب والنار التي تشتعل من حولنا.
فتصرف القوى السياسية الأردنية العاقلة الذي اتسم بأعلى درجات الوعي والحكمة والمسؤولية عامل آخر لا يقل أهمية في تفسير هذه الحالة الفريدة عن الهدوء في المنطقة التي نعيشها الآن.
وكلنا متفقون أن التغني بهذه الحالة ليس مطلوبا الآن، فالأهم هو العمل لإدامة هذا الوضع وجعله واقعا ثابتا وراسخا في حياتنا السياسية بعيدا عن الهزات والخضات، وعن احتمالات النكوص عنه او الانقلاب عليه.
وأرى أن عملية إدامة هذه الحالة ليست أمرا صعبا ولا مهمة مستحيلة، وكل المطلوب هو ان يستمر كل طرف -الحكومة والقوى السياسية- بالعمل بنفس الجدية والحكمة اللتين أبدياها حتى الآن دون اية حسابات متسرعة أو تصرفات غير مدروسة .
فعلى مستوى الدولة وجهودها الإصلاحية يجب ان تتواصل هذه المساعي بنفس الإخلاص والجدية والتجرد لتحقيق الرؤى التوافقية الي يريدها جلالة الملك وبما يخدم جميع المواطنين ويعزز مسيرة الاستقرار والازدهار للوطن بكل تجلياته.
ويجب ايضا إخلاص النية للوصول الى مخرجات متوازنة ومقنعة تخاطب هواجس المواطنين وتطلعاتهم . وأخطر شعور يمكن أن يتسرب الى الجهات الرسمية الآن هو ذلك الإحساس الخاطئ وغير المبرر بالنصر المزعوم .
فالنصر لا يكون إلا على اعداء الوطن والقوى السياسية الاردنية ، مهما اختلف أي طرف معها في الرؤى والحسابات فإنها جزء أساس من النسيج السياسي الوطني.
فهذا الشعور بالنصر أو النشوة إضافة الى أنه غير مبرر، فإنه يمكن ان يعطل القدرة على رؤية الامور بموضوعية وتوازن ويحول بالتالي دون الوصول الى مخرجات توافقية تراعي مصالح الجميع .
ومن الضروري ان تستمر الجهود والمساعي لتأكيد اهمية الشراكة الوطنية بعيدا عن التحريض الذي يمارسه البعض في مسعى منهم لاعتماد خيار التهميش والاقصاء الذي أدمنوا عليه وتاجروا فيه طويلا، فهذا الوطن لكل أبنائه، ولهم جميعا الحق بصياغة حاضره ومستقبله جنبا الى جنب .
أما القوى السياسية الأردنية فإنها مطالبة بمواصلة السير على نفس الطريق التي سلكوها حتى الآن، أي طريق إبداء الآراء بجرأة وأمانة ومسؤولية دون تعريض أمن البلد واستقراره الى أية مغامرات غير محسوبة .
فمن حق هذه القوى أن تكون لها رؤيتها وموقفها من تطورات الواقع السياسي، لكن المطلوب هو ان تواصل التعبير عن مواقفها – كما فعلت حتى الآن – بأعلى درجات المسوؤلية والحكمة وتوخي الصالح العام بعيدا عن المصالح الذاتية او الاعتبارات الآنية .
إن الوطن هو الرابح الأكبر من عملية الاصلاح التي يقودها جلالة الملك . وقد ثبت - بعد موافقة دول الخليج على انضمام الاردن الى منظومة مجلس التعاون الخليجي – أن تسريع وتيرة الإصلاحات هو نقطة قوة الأردن وعلامة عنفوانه وعنوان تميزه، وهو ما يلفت إليه الانظار ويزيد اهتمام الجميع به ويعمق احترامهم له.